السبت، 16 مايو 2015

ما نشوف أبونا.. هو دائما إما مشغول
تخجل "أم تركي" من الظهور للمجتمع بعد تورط اثنين من أبنائها في جماعات التطرف الفكري والارهاب، خاصةً وأن الأهل والأقارب يلقون باللوم عليها في عدم رعاية أبنائها والكشف عن توجهاتهم، على الرغم من حرصها على تربيتهم بأفضل صورة كانت، وأن تكون لهم الأم والأب، في ظل غياب والدهم طوال العام وانشغاله بالسفر وعدم تواجده بالمنزل فترة طويلة، إذا علمنا أن الأوقات التي يتواجد بها يُفضل البقاء في مجلسه لاستقبال رفاقه أو العزلة في غرفة النوم!.
نماذج كثيرة مشابهة لحالة "أم تركي"، فهناك من الأبناء من انخرط في المخدرات والبعض في قضايا نصب وآخرون ربما فضلوا المكوث في الشارع عن البقاء في المنزل، والسبب يعود إلى غياب عمود المنزل لساعات طوال دون الالتفات للأبناء في أهم مرحلة عمرية لهم، ليُصبح غياب الأب في ظل الأحوال العامة وما يعصف بالأسرة من مشاكل اجتماعية واقتصادية أمر خطير وحسّاس، ليس فقط على كيان الأسرة الظاهري، بل فيما يُحدثه من آثار سلبية في نمو أفرادها وتطور شخصياتهم.
وينبغي على كل أب أن يُدرك أن الاستثمار الحقيقي يكون في بناء كيان أسري سليم يتمتع بصحة نفسية سوية، وكذلك استقرار عاطفي ووجداني، وفي تنشئة الأبناء التنشئة الاجتماعية والأخلاقية السليمة، وليس الاستثمار المالي، فالمطالب المادية للأسرة لا يمكن أن تكون بديلاً عن المطالب النفسية والجوانب التربوية، وإن كان ولابد من الغياب لظروف قاهرة فالأفضل دعم الأم وتعزيز موقعها في خارطة البناء الأسري والتربوي، وكذلك حث الأبناء على احترامها وطاعتها وإعطاؤها حقوقها ومكانتها.
صحيف أخبار جازان تطرح ملف غياب الأب عن المنزل وتسرد بعض القصص والمواقف من داخل المنازل، إلى جانب وقوفها على آراء المختصين حول تبعات هذا الغياب غير المبرر.
ناصح وصديق
في البداية قال الشاب "رياض الغامدي" -طالب في المرحلة الثانوية- وجود والدي بجانبي وصداقته لي ج العديد من الأمور، خاصةً وأنه يتبع سياسة الحوار معي حتى في أخطائي، كما أني أرى العديد من زملائي يرتعدون خوفاً من أي موضوع يتعلق بهم، بل ويحاولون إخفائه عن أولياء أمورهم؛ بسبب تعنتهم وعدم تفههم لظروف الخطأ أو لوجود فجوة كبيرة بين الشاب ووالده، مضيفاً أن هناك شخصاً من زملائه في المدرسة بدأ يتعاطى "السجائر" في المرحلة المتوسطة ولم يلاحظ ذلك والده؛ لانشغاله الدائم الذي قد يمتد إلى أيام، وكذلك وفاة والدته -رحمها الله-.
المطالب المادية لا يمكن أن تكون بديلاً للجوانب النفسية والتربوية.
وأوضحت السيدة "..." موظفة حكومية وأم لشابين وفتاة- أن وجود الأب من أهم الأمور في حياة الأبناء وفي جميع المراحل، حتى بعد الزواج، فالحاجة للوالدين خاصةً الأب تتفاقم كلّما كبر الابن، مضيفةً أنهم بحاجة إلى ناصح مخلص وصديق وكاتم للسر ومقوّم للخطأ، وكذلك بحاجة إلى ظهر وسند، وكل هذا لن يقدمه إلاّ الأب الواعي، مبينةً أنه بعدما فقدت زوجها قبل ستة أعوام فقدت أهم عمود في المنزل يرتكز عليه أمانه واستقراره، وأصبح واجب عليها أن تكون الأم والأب والمقوّم والصديق، مؤكدةً على أن المسؤوليات زادت، لكن مهما حاولت واجتهدت يظل هناك فجوة لا يمكن ردمها، مُتعجبةً من الآباء الذين هم على قيد الحياة ويتعمدون الهروب من أبنائهم وبناتهم لتخفيف المسؤولية عن أنفسهم، متجاهلين أنهم مسؤولون عن رعيتهم أمام الله عز وجل.
مسألة خطيرة
الشاب "مراد" -طالب في المرحلة الجامعية- اكد على أنه ينتظر لحظة تخرجه من الجامعة لينتقل إلى العمل خارج مدينته بعيداً عن منزل أسرته المفكك، والذي لا تجمعه بهم إلاّ أسوار مصمتة وجدران وضعت بداخل كل فرد منهم حاجز لا يمك
ن زحزحته، مضيفاً أن الدفء غاب بغياب والده الذي لم يكتف بعدم حضوره جسدياً، بل تبعه بغياب الحوار والمنطق، فهو لا يذكر أي لغة حوار دارت بينه وبين والده، أو حضوره لحفل مجلس الآباء عندما كان في التعليم العام وذلك بسبب انشغاله الدائم.
ورأى الشاب «خالد الغامدي» أن قضية غياب الأب عن المنزل أو رب الأسرة ومكوثه لساعاتٍ طوالٍ بعيداً عن أبنائه مسألة خطيرة ولها أثر كبير في فقدان السيطرة الأبوية؛ لأن قوة سلطة الأب تقي الأسرة من المشكلات التربوية الأسرية، متسائلاً: كيف نجمع بين فقدان السيطرة الأبوية وبين تواجد بعض الآباء مع أبنائهم جل أوقاتهم في المنزل؟، مضيفاً أن وجودعلتني أميزالأب في المنزل مع الأبناء ليس مطلباً في ذاته، بل يجب عليه أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل أو لا يفعل في حال تواجده في المنزل؟، متسائلاً: ما فائدة تواجد الأب في المنزل إذا كان يفرّط في تدليل الأبناء ويحرمهم من توجيهاته التربوية والتأديبية؟، وما فائدة تواجد الأب إذا كان لا يعدل بين أبنائه ويفضل بعضهم على بعض؟، وما فائدته إذا كان يتعامل مع أبنائه بالقسوة والعنف، ولا يتحدث معهم، ولا يقبلهم؟.
فيما قالت "جميلة" -الطالبة الجامعية-: إن تصرفات الشباب والفتيات غير المحسوبة نابعة من مشاكل غياب أحد الوالدين، التي تترك فجوة كبيرةفي حياتهم، مضيفةً أن غياب أحد الوالدين لا يمكن تعويضه من خلال أي شخص، مُشددةً على ضرورة وعي الوالدين بأنهما سيحصدان ما يزرعانه، مبينةً أنه بسبب غياب والدها وإهماله لها تعلقت كثيراً بخالها والذي كان يحاول توفير كل ما تحتاجه، وبالتالي أصبحت تشعر أنه والدها، والذي لم يعد يشكل وجوده وغيابه أية مشاعر، ولطالما تمنت أن يكون خالها هو والدها الحقيقي.
تفكك أسري
وأوضح "الدوس" أن من سلبيات غياب الأب التأثير في نمو الطفل، وعلى بناء ثقافته، وتشكيل شخصيته النفسية والاجتماعية، ويمتد تأثير ذلك الغياب على التحصيل الدراسي وإخفاقه التعليمي، وأيضاً على مستوى التنشئة الاجتماعية والأخلاقية والعقلية والإيمانية، وقد يكون هذا الغياب المستمر أحد الأسباب الرئيسة للتفكك الأسري وخلخلت توازنه النفسي والعاطفي والاجتماعي.
دعم الأم
وشدّد «الدوس» على ضرورة دعم الأب المضطر للغياب الطويل عن شؤون منزله مكانة الأم، وكذلك تعزيز موقعها في خارطة البناء الأسري والتربوي، إضافةً إلى حث الأبناء على احترامها وطاعتها وإعطائها حقوقها ومكانتها، خاصةً وأن هناك -مع الأسف- أمهات تحملن  زمام المسؤوليات وعشن صراع الأدوار ما بين الأب والأم داخل النسيج المنزلي، في ظل غياب الأب المستمر دون أن حصولهن على حقوقهن المادية والأدبية واحترام كيانهن ومشاعرهن، مما جعل بعضهن يشعر بالحرمان والتهميش والمرارة والإحباط، فأصبح واقع هذه الأسرة التفكك والانهيار وجدانياً ونفسياً، مشيراً إلى أنه ينبغي على كل أم واعية ومبصرة تحمل تباعات غياب الأب المضطر، وتسخير طاقاتها وقدراتها لتربية أطفالها وتنشئتهم التنشئة الاجتماعية والأخلاقية والنفسية والإيمانية السليمة، مع أداء مسؤوليات الأب الغائب بقدر المستطاع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق